جلال الدين السيوطي
6
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
رستم : لا والله ، ولكن تذكر حين جلست إليه تسأله ، فجعل يأخذ نعليه بيده وهي مخصوفة بجريدة ، ويقول : نعم قناع القدريّ ، نعم قناع القدريّ . فعلمت أنّه يعنيك ، فقمت . وقال أبو سعيد السيرافيّ في طبقات النحاة البصريين : كان الأصمعيّ صدوقا في الحديث ، عنده عن ابن عون ، وحمّاد بن سلمة ، وحمّاد بن زيد ، وغيرهم ، وعنده القراءات عن أبي عمرو ، ونافع ، وغيرهما ، ويتوقّى تفسير شيء من القرآن والحديث على طريق اللغة . حدثنا أبو علي الصفّار حدثنا نصر بن علي ، قال : حضرت الأصمعيّ وقد سأله سائل عن معنى قول النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « جاءكم أهل اليمن وهم أبخع نفسا » . قال : يعني : أقتل نفسا . ثم أطرق متندّما على نفسه كاللائم لها ، فقال : ومن أخذني بهذا وما علمي به ؟ فقلت له : لا عليك ؛ فقد حدثني سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عزّ وجلّ : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ سورة الكهف ، الآية 6 ] أي : قاتل نفسك . فكأنّه سرّي عنه . وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد : حدثنا أبو عمر الجرميّ « 1 » ، قال : صرت إلى الأصمعيّ ومعي كتاب « المجاز » لأبي عبيدة ، فقال لي : هاته . فأعطيته ، فنظر فيه حتى انتهى إلى آخره ، ثم رجعت إليه ، فقال لي : قال أبو عبيدة في أوّل كتابه : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ سورة البقرة ، الآية 1 - 2 ] أي : لا شكّ فيه « 2 » . فما يدريه أنّ الريب الشّك ؟ قال : فقلت له : أنت فسّرت لنا في شعر الهذليين : قالوا تركنا القوم قد حصروا به * فلا ريب أن قد كان ثمّ لجيم قال : فأمسك ولم يقل شيئا ، وردّ الكتاب . حدثنا أبو بكر بن السّرّاج ، قال : حدثنا أبو العباس المبرّد ، قال : قال الأصمعيّ :
--> ( 1 ) في أخبار النحويين البصريين : « أبو قلابة » . انظر : 75 . ( 2 ) مجاز القرآن : 1 / 29 .